المقدار الضروري للإنسان الطبيعي خمس ساعات ، لا غنى عنها بإجماع الأطباء .
وقد جرب المجربون ومِنهم أنا بأقل مِن هذا المقدار ، والنتيجة : التعب والإرهاق في النهار أو في أقل الأحوال قلة الطاقة والخمول ..
ومَن يقوم الليل أو يحيي ليلتهُ بالعبادات والقربات ، فإنَّهُ يستطيع أن يُحَصِّل الخمس ساعات مِن النوم ، ولو قسَّمنا الليل كما يقسمهُ السلف لوجدنا أنَّهم ينامون بالتقدير القريب خمس ساعات أو ست .. ولا منافاة أبدًا ، ومَن زعم غير هذا فقد أبعَدَ النجعة وخالف الفطرة ، إذ كلُّ إنسان يحتاج إلى النوم الضروري ، ولا يستطيع الجسم أن يصبر بلا نوم .. إلا في حالاتٍ نادرة عند أناس مصابين ببعض الأمراض المعروفة عند أهل الطب ، ولكن هؤلاء مع ندرتهم ، فهم مرضى وأجسامهم مُدمَّرة كليًا .
قال الله تعالى : {وجعلنا نومكم سباتًا * وجعلنا الليل لباسًا * وجعلنا النهار معاشًا} ، قال الطبري في تفسيرها : ( وجعلنا نومكم لكم راحةً ودَعَةً تهدءون بهِ وتسكنون كأنَّكم أمواتٌ لا تشعرون ، وجعلنا الليل لباسًا ، أي : وجعلنا الليل لكم غشاءً يتغشَّاكم سوادهُ وتغطيكم ظلمتهُ ، كما يُغَطي الثوب لابسهُ ، لتسكنوا فيه عن التصرف ، لِمَا كنتم تتصرَّفونَ لهُ نهارًا ) أهـ . باختصار .
فالله سبحانهُ وتعالى أخبر أنَّهُ ما جعل الليل إلاَّ للسكونِ والنوم ، لحاجة الإنسان إلى ذلك ، وما جعل النهار إلا للمعاش والعمل والتصرف ، فمن أحيا الليل كله فقد خالف الفطرة ، وخالفَ السنَّة ، لما جاء في الحديث الصحيح أنَّه صلى الله عليه وسلم قال : "لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء ، فمن رغبَ عن سنتي فليس مِنِّي" ..
لاشك أنَّ البركة مِن الله ، لكن أيضًا انتبه إلى أنَّ الله عز وجل هو الذي جَبَل البشر على طبيعتهم ، وهي النوم ليلاً والانتشار نهارًا ، وفي كتابِ الله عزَّ وجل الأدلة على ما ذكرتُ ، لكن كل ما ذكرتُهُ أنا هو محمولٌ على الغالب في طبيعة البشر ، ونحنُ نعلم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم التي هي الصيام والإفطار والقيام والنوم .. ولستُ بدعًا مِن القول .. ولم يكن السلف يسهرون الليالي كسهرنا اليوم .. إنَّما كانوا يقومون الليل ويأخذون كفايتهم مِن النوم ، فقم الآن بحساب ثلث الليل لترى كم مقدار قيام السلف .. ثم لنتكلم بعد ذلك ونُسهِب عن البركة والمقدار الكافي مِن النوم للإنسان الطبيعي .
يقول الشيخ محمد صالح المنجد في ذكره لترجمة الألباني رحمه الله :
كان الشيخ –رحمه الله- بعد الغداء إذا أصاب الخمول من حضر عنده يقوم إلى الطاولة مباشرة، ويقول له طلابه: أما تعبت أما أصابك نعاس؟! فيقول: لا.
وكان يصلي الفجر بوضوء العشاء أحياناً، ومعدل نومه اليومي أربع ساعات، وإذا زاد عن الحد إلى ست ساعات، ولذلك الرجل أنتج؛ لأنه كان لا يقضي وقتاً طويلاً في النوم، ولا في الأكل، ولا في الذهاب والإياب ؛ وإنما كان محافظاً على وقته،وإذا اتصل عليه أحد أو جاءه شخص يقول له: معك خمس دقائق، معك عشر دقائق،والزيارة نصف ساعة من باب المحافظة على وقته.
وذكرت زوجة الشيخ بن عثيمين رحمه الله في مقابلة معها :
كان نومه المتصل لا يتعدى ثلاث إلى أربع ساعات ومجموع ساعات نومه رحمه الله لا تتعدى ست ساعات يومياً .
قال ابن القيم رحمه الله : إذا أراد الله بعبد خيرا أعانه بالوقت وجعل وقته مساعدا ً له، كلما همت نفسه بالقعود، أقامه الوقت وساعده.